غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )

149

تاريخ مختصر الدول

حتى أنه احتاج في بعض الأوقات إلى ثلاثمائة دينار فلم يجدها . وكان استخصّ الموفق أخو المعتمد جعفر بن محمد المعروف بابي معشر البلخي واتخذه منجما له وكان معه في محاصرته للزنج بالبصرة . وقيل إن أبا معشر كان في أول أمره من أصحاب الحديث ببغداد وكان يضاغن أبا يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي ويغري به العامة ويشنع عليه بعلوم الفلاسفة . فدسّ عليه الكندي من حسّن له النظر في علم الحساب والهندسة فدخل في ذلك فلم يكمل له فعدل إلى علم احكام النجوم وانقطع شرّه عن الكندي . ويقال انه تعلم النجوم بعد سبع وأربعين سنة من عمره . وكان فاضلا حسن القريحة صنف كتبا عدة في هذا الفن . فضربه المستعين أسواطا لأنه أصاب في شيء أخبر به قبل وقته . وكان يقول : أصبت فعوقبت . وجاوز أبو معشر المائة من عمرة ومات بواسط . وقيل كان أبو معشر مدمنا على شرب الخمر مشتهرا [ 1 ] بمعاقرتها وكان يعتريه صرع عند أوقات الامتلاءات القمرية . واما يعقوب الكندي فكان شريف الأصل بصريا وكان أبوه اسحق أميرا على الكوفة للمهدي والرشيد . وكان يعقوب عالما بالطب والفلسفة والحساب والمنطق وتأليف اللحون والهندسة والهيئة وله في أكثر هذه العلوم تآليف مشهورة من المصنفات الطوال . ولم . يكن في الإسلام من اشتهر عند الناس بمعاناة علم الفلسفة حتى سمّوه فيلسوفا غير يعقوب هذا وعاصر قسطا بن لوقا البعلبكي وقسطا هذا الفيلسوف نصراني في الدولة الاسلامية دخل إلى بلاد الروم وحصّل من تصانيفهم الكثيرة وعاد إلى الشام واستدعي إلى العراق ليترجم الكتب وله تصانيف مختصرة بارعة . وقيل اجتذبه سنحاريب إلى أرمينية وأقام بها إلى أن مات هناك وبنى على قبره قبة إكراما له كاكرام قبور الملوك ورؤساء الشرائع . قال المؤرخ : لو قلت حقا قلت إنه أفضل من صنّف كتابا بما احتوى عليه من العلوم والفضائل وما رزق من الاختصار للألفاظ وجمع المعاني . وفي آخر دولة المعتمد تحرّك بسواد الكوفة قوم يعرفون بالقرامطة وكان ابتداء أمرهم ان رجلا فقيرا قدم من ناحية خوزستان إلى سواد الكوفة وكان يظهر الزهد والتقشف ويسفّ [ 2 ] الخوص ويأكل من كسبه فأقام على ذلك مدة . وكان إذا قعد إليه رجل ذاكره أمر الدين وزهده في الدنيا واعلمه انه يدعو إلى إمام من أهل بيت النبيّ عليه السلام .

--> [ 1 ] - مشتهرا ر مستهترا . [ 2 ] - ويسف ر ويتعانى نسف .